السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

464

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يقع هناك إلّا ما أحبه اللّه وأراده ولا خبر عن محبة العبد وإرادته في نفسه ، ويتلوه ( وهو المرتبة الثالثة من الإيمان ) شيوع هذا التسليم العبودي في جميع الأعمال . قوله تعالى : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، مقول قول الحواريين حذف القول من اللفظ للدلالة على حكاية نفس الواقعة وهو من الأساليب اللطيفة في القرآن الكريم ، وقد مر بيانه ، وقد سألوا ربهم أن يكتبهم من الشاهدين ، وفرّعوا ذلك على إيمانهم وإسلامهم جميعا لأن تبليغ الرسول رسالته إنما يتحقق ببيانه ما أنزله اللّه عليه قولا وفعلا ، أي بتعليمه معالم الدين وعمله بها ، فالشهادة على التبليغ إنما يكون بتعلمها من الرسول واتباعه عملا حتى يشاهد أنه عامل بما يدعو اليه لا يتخطاه ولا يتعداه . والظاهر أن هذه الشهادة هي التي يومي إليها قوله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( الأعراف / 6 ) ، وهي الشهادة على التبليغ ، وأما قوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( المائدة / 83 ) ، فهو شهادة على حقية رسالة الرسول دون البليغ ، واللّه أعلم . قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ، الماكرون هم بنو إسرائيل ، بقرينة قوله : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ، وقد مر الكلام في معنى المكر المنسوب اليه تعالى في ذيل قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة / 26 ) . قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ، التوفي أخذ الشيء أخذا تاما ، ولذا يستعمل في الموت لأن اللّه يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه قال تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ( الأنعام / 61 ) ، أي أماتته ، وقال تعالى : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ - إلى أن قال - : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ( السجدة / 11 ) ، وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى ( الزمر / 42 ) ، والتأمل في الآيتين الأخيريتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في القرآن بمعنى الموت بل بعناية الأخذ والحفظ ، وبعبارة أخرى إنما استعمل التوفي بما في حين الموت من الأخذ للدالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ولا يفنى بالموت الذي